محمد بن جرير الطبري
408
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بن داود إلا بهذا ! فأفشوا السحر في الناس وتعلموه وعلموه ، فليس في أحد أكثر منه في يهود . فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما نزل عليه من الله ، سليمان بن داود وعده فيمن عده من المرسلين ، قال من كان بالمدينة من يهود : ألا تعجبون لمحمد ! ( 1 ) يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا ! والله ما كان إلا ساحرا ! فأنزل الله في ذلك من قولهم على محمد صلى الله عليه وسلم : ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) . ( 2 ) * * * قال : كان حين ذهب ملك سليمان ، ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات ، ( 3 ) فلما رجع الله إلى سليمان ملكه ، قام الناس على الدين كما كانوا . وأن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه ، وتوفي سليمان حدثان ذلك ، ( 4 ) فظهرت الجن والإنس على الكتب بعد وفاة سليمان ، وقالوا : هذا كتاب من الله نزل على سليمان أخفاه منا ! فأخذوا به فجعلوه دينا ، فأنزل الله : ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ، واتبعوا ما تتلوا الشياطين ) ، وهي المعازف واللعب ، وكل شيء يصد عن ذكر الله . * * * قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل قوله : ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ) ، أن ذلك توبيخ من الله لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجحدوا نبوته ، وهم يعلمون أنه لله رسول مرسل ، وتأنيب منه لهم في رفضهم تنزيله ، وهجرهم العمل به ، وهو في أيديهم يعلمونه
--> ( 1 ) في المطبوعة : " لمحمد صلى الله عليه وسلم " ، والذي أثبته مقتضى سياق كلامهم . ( 2 ) إلى هنا انتهى ما نقله ابن كثير في تفسيره عن أبي جعفر 1 : 250 ، أما سائر الخبر ، فإنه رواه في 1 : 247 ، وصدره بقوله : " وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى : " واتبعوا ما تتلو الشياطين " الآية - وكان حين ذهب ملك سليمان . . " ، وساق الخبر بنصه هذا . فلست أدري أفي نسخ الطبري سقط ، أم هذه جزء من رواية الطبري عن ابن إسحاق من حديث ابن عباس . ( 3 ) الفئام : الجماعة من الناس ، لا واحد له من لفظه . ( 4 ) حدثان الشيء ( بكسر فسكون ) : أوله وابتداؤه وقرب العهد به . وهو منصوب على الظرفية .